محمد بن جرير الطبري

274

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

لي به . قالوا له : من أنت يا فتى ، وما شأنك ؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين ، فأنت تريد أن تخفيه منا ، فانطلق معنا فأرناه وشاركنا فيه ، نخف عليك ما وجدت ، فإنك إن لا تفعل نأت بك السلطان ، فنسلمك إليه فيقتلك . فلما سمع قولهم ، عجب في نفسه فقال : قد وقعت في كل شئ كنت أحذر منه ثم قالوا : يا فتى إنك والله ما تستطيع أن تكتم ما وجدت ، ولا تظن في نفسك أنه سيخفى حالك . فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم ، وفرق حتى ما يحير إليهم جوابا فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه ، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة ملببا ، حتى سمع به من فيها ، فقيل : أخذ رجل عنده كنز . واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم ، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون : والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة ، وما رأيناه فيها قط ، وما نعرفه فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم ، مع ما يسمع منهم فلما اجتمع عليه أهل المدينة ، فرق ، فسكت فلم يتكلم ولو أنه قال إنه من أهل المدينة لم يصدق . وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة ، وأن حسبه من أهل المدينة من عظماء أهلها ، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا ، وقد استيقن أنه من عشية أمس يعرف كثيرا من أهلها ، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدا . فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأته بعض أهله ، أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم ، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها ، وهما رجلان صالحان ، كان اسم أحدهما أريوس ، واسم الآخر أسطيوس فلما انطلق به إليهما ، ظن يمليخا أنه ينطلق به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه ، فجعل يلتفت يمينا وشمالا ، وجعل الناس يسخرون منه ، كما يسخر من المجنون والحيران ، فجعل يمليخا يبكي . ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله ، ثم قال : اللهم إله السماوات والأرض ، أولج معي روحا منك اليوم تؤيدني به عند هذا الجبار . وجعل يبكي ويقول في نفسه : فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت ، وأنى يذهب بي إلى دقينوس الجبار فلو أنهم يعلمون ، فيأتون ، فنقوم جميعا بين يدي دقينوس فإنا كنا تواثقنا لنكونن معا ، لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا ، ولا نعبد الطواغيت من دون الله . فرق بيني وبينهم ، فلن يروني ولن